المنجي بوسنينة
22
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
من قسوة المجتمع المتمثّل في ظلم أبيها ومحاولة أحدهم اغتصابها ، فيستضيفها في بيته ، ويحسن معاملتها ويبحث لها عن عمل ، ثمّ يلتقيها عدة مرات في مصادفات تصطنعها هي ، وقد أعجبت بأخلاقه ودينه ، ثم يودّعها عائدا إلى وطنه ، وفي الوطن يتلقى منها رسالة تخبره أنها وضعت منه مولودا أسمته محمد علي ، ويعيش علاء في الوطن حياة قلق وضياع ، ويتردّد على الملاهي في بيروت حيث يلتقي بعد اثني عشر عاما براقصة ألمانية ، وإذا هي إلزا نفسها ، ويعلم منها أن ولده قد أصيب بالسل ومات ، وأنها هي نفسها مصابة بالسل ، وما تلبث أن تموت بين يديه . والروايتان ذاتا طابع رومنتيكي ، تؤكّدان انتصار الجابري للإسلام والعروبة ، وتعبّران عن أمنيته في لقاء الشرق بالغرب ، وهذا ما حقّقه في إعادة صوغه « قدر يلهو » عام 1980 إذ حمل البطل علاء حبيبته إلى المستشفى ، وأخذ في علاجها ، وتزوّجها ، ثمّ توفّيت بالمرض نفسه بعد سنة . وتعدّ « وداعا يا أفامية » أول رواية ريفية في سورية ، وهي رواية رومانتيكية ، تتطلّع إلى السموّ ، وتدور حوادثها في الغابة البكر ، لتصوّر الجمال في بداءته الأولى ، ولتعبّر عن طموح إلى الخلاص من أدران المدينة . وبطل الرواية سعد عالم في المعادن ، وابن طبقة ثرية ، غارق في مباذل المدينة ، يسهر في ملاهي اللاذقية ، ولكنه يسعى إلى الخلاص ، فهو يتّخذ لنفسه في غابات الفرلق كوخا ، مستمتعا بصفاء الغابة ، وهو يغامر في البحث عن معدن نادر ، ويلتقي المرأة المثال ، وهي ريفية نقية ، ذات ذكاء وكبرياء ، تتجلّى فيها كل معاني الجمال والأنوثة ، اسمها نجود ، وقد فرّت من قريتها إذ اتهمتها زوجة أبيها بعشقها لفنان يعمل في بعثة تنقب عن الآثار في مدينة أفامية ، ويخيّم عليها الليل ، وتبرز لها الضّباع ، لتثخن فيها الجراح ، وفي تلك الأثناء كان سعد في ملهى ليلي ، يحاول اصطياد إحدى الغانيات ، ويرجع إلى الغابة ليجد نجود غارقة في دمائها ، فينقذها ، ويعلمها القراءة والكتابة ، ويجد فيها خلاصه ، فيصوغها كما صاغ بجماليون تمثال جالاتيا ، وذات يوم يراها تستحم في غدير ، فيتأمّل جسمها النقي ، من غير أن تشعر ، وفي طريق العودة إلى الكوخ يلتقيان ، ويتعانقان ، وتشعر بقوّة حبّها له ، وفي اللحظة التي كانت فيها مستعدة لتمنحه نفسها يعفّ عنها ، لأنه كان قد طلب من خادمه أن يحضر شيخا ليعقد قرانه عليها ، وتحسّ بجرح في كبريائها ، فتفرّ هاربة إلى الغاب ، ويظلّ سعد يبحث عنها ، وهو ينادي « نجود ، نجود » ، وما من مجيب . وهكذا تظل نجود سموا لا يطال ، وبراءة لا تدنس ، وفكرة لا تتحقّق ، كما تظلّ تمثالا في حياة سعد ، يصوغه وفق هواه ، وهو الذي كان ينظر إلى الكون كله ، وإلى نجود نفسها ، نظرة الفنان إلى العالم ، يقدس ما يرى ، ولا يفكر في الأخذ ، إنّما يفكّر في التأمّل . وتظهر في روايات الجابري الأربع ثقافته الغربية ، ولا سيّما الألمانية ، فهو حريص دائما على الإشارة في سياق رواياته إلى الموسيقيين والفلاسفة ، وثمّة إشارات إلى الثقافة العربية ، ولا سيما التاريخ الإسلامي ، وثمّة إشارات أخرى إلى ظواهر علمية ، وغالبا ما تأتي هذه الإشارات على تنوّعها منسجمة مع السياق الروائي ، كما يظهر في رواياته حرصه الشديد